
صلحُ الذئبِ والحَمَل!
سمير رشاد اليوسفيتعز١ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٦:٤٨ ص٣ دقائقيرد سمير اليوسفي على مبادرة عبدالناصر المودع لتحييد تعز، ويرى أن نزع سلاح المدينة المحاصرة مقابل تعهدات الحوثي «استسلام بالمجان»، وأن السلام يُصنع بكسر شوكة المعتدي.
أعرفُ الصديق عبدالناصر المودع باحثاً صاحب قلم واجتهاد، لكنني وأنا أقرأ مبادرته الأخيرة على منصة «إكس» لـ«تحييد مدينة تعز»، فركتُ عينيَّ مرتين للتأكد من أنني أقرأ مقالاً سياسياً في الشأن اليمني، لا نصاً مترجماً عن اتفاقية سلام بين كانتونات سويسرا عام 1848!
يقترح الصديق المودع، بكثيرٍ من حُسن النية الذي يفيض عن حاجة الشرق الأوسط، أن يتطوع أبناءُ تعز بتفكيك جيشهم وأمنهم، وأن يفرشوا السجاد الأحمر لـ«مراقبين حوثيين لطفاء» يتفقدون حواجز المدينة، مقابل تعيين محافظٍ من رجال الأعمال يهتم بالماء والكهرباء. أما الحوثي، فيحتفظ بالساحل وباب المندب وجباله الحاكمة، ويتعهد بشرفه ألا يدخل المدينة بعد تجريدها من السلاح!
هذا الطرح يذكرني بقصة قديمة لراعي غنم اقترح عليه الذئب معاهدة «عدم اعتداء»، وكان الشرط الوحيد أن يُسلّم الراعي بندقيته للذئب ويحبس كلاب الحراسة؛ لضمان بناء الثقة وتسهيل حركة المرور!
ولم يقف كرمُ الصديق المودع عند هذا الحد، بل تبرع بنصيحة مجانية للحوثيين حين قال لهم إن تعز ليست بوابةَ الجنوب، وإن بإمكانهم إذا أرادوا الهجومَ على المحافظات الجنوبية أن يسلكوا طرقاً «أقرب وأسهل وأفضل» من الراهدة وحيفان والقبيطة. والحقيقة أنني لم أرَ في حياتي باحثاً ينصح الميليشيا التي تحاصر مدينته بكيفية غزو جيرانه من الباب الخلفي توفيراً للوقت والجهد!
والطريف أن الصديق المودع نفسه يفتتح رسالته لزعيم الميليشيا بالاعتراف سلفاً بأن «حياة المدنيين لا تهمه، ومعاناتهم لا تشغل باله»، لكنه يطلب من أهل تعز -بكل براءة- أن يضعوا رقابهم أمانةً في ذمة هذا الرجل تحديداً، على أمل أن يستيقظ ضميره فجأة بمجرد أن نسلّمه أسلحتنا!
وكأننا أمام طبيب يكتب لمريضه وصفةً من السم الزعاف، ويشرح له في الهامش أن هذا السم قاتلٌ لا يرحم، لكن لا بأس من تجرّعه لتجنب الصداع!
عندي سؤال بريء للمودع وزملائه في مراكز الأبحاث: إذا كانت تعز «غير مهمة عسكرياً» كما يقولون، فلماذا يُصرّ الحوثي على فرض حصار تعز وتطويقها بـ 360 درجة، وقصف قراها بالصواريخ طوال هذه السنين؟
المشكلة في بعض المثقفين أنهم يتوهمون أن الميليشيات العقائدية منظماتٌ لحقوق الإنسان أو جمعياتٌ خيرية للسلام؛ ويتناسون أن الحوثي لم يوقّع اتفاقاً إلا لابتلاع ما بعده، من دماج وعمران إلى حجور والحديدة.
إن نزع سلاح الضحية في زمن الحرب لا يُسمى «تحييداً»، بل يُسمى في قواميس الدنيا: «استسلاماً بالمجان». وأهلُ تعز المحاصرون يعرفون أن بنادقهم ليست «للعَدَال» وتقديمها رهناً لمقاضاة الخصوم، ولا بنادق لصيد العِقاب، بل هي الوسيلة الأخيرة التي تمنع «المشرف» من استباحة بيوتهم وحرماتهم.
ختاماً.. أقول لصديقي المودع: السلام لا يُصنع بتجريد الضحية من سلاحها، بل بكسر شوكة المعتدي؛ وإلا لكانت الحُمْلان أولَ من نَعِم بالأمان في غابة الذئاب!
وللحديث بقية إن كان في العمر بقية!
الأكثر مشاهدة

رأي | سمير رشاد اليوسفي: المأزق الذي يصنعه الحوثي

رأي | سمير رشاد اليوسفي: ما الذي تغيّر بعد ثلاثة أسابيع من «فجر اليمن»؟

واحدٌ وعشرون اسمًا… هل تهزّ القائمةُ آلةَ الحرب؟
اقرأ أيضًا

البحر الأحمر | اليمن يتهم 21 خبيرا إيرانيا ولبنانيا بإدارة عمليات الحوثيين العسكرية

تعز | أزمة القمامة تتفاقم.. لجنة الطوارئ تقر استئناف نقل النفايات وسط مخاوف صحية
