
تحليل شامل: كيف تعيد تعز ولحج رسم المشهد الميداني في اليمن؟
تحليل شامل يقرأ تعز بوصفها مركز الثقل في التصعيد اليمني، ويربطها بجبهات لحج والساحل الغربي وباب المندب، مع فصل الادعاءات العسكرية عن الوقائع القابلة للتحقق.
## تعز مركز الثقل
تدل المعطيات المنشورة خلال الأيام الأخيرة على أن المعركة اليمنية دخلت مرحلة أكثر كثافة حول تعز، بعد انتقال الضغط من خطوط التماس التقليدية إلى محاور الطرق والمرتفعات وخطوط الإمداد. وتكتسب المحافظة أهميتها من موقعها بين مناطق نفوذ الحوثيين في الشمال والشرق والمناطق التي تسيطر عليها القوات الحكومية جنوبًا وغربًا، فضلًا عن قربها من الساحل الغربي ومضيق باب المندب [1] [2].
وتشير التغطية الميدانية إلى أن القتال الأشد يتركز في المداخل الغربية والجنوبية والغربية لتعز، حيث تحاول الأطراف السيطرة على المرتفعات التي تسمح بمراقبة الطرق والتحكم في حركة التعزيزات. ولا يعني ذلك أن السيطرة على نقطة واحدة ستحسم المعركة، لكنه يرفع كلفة الإمداد ويؤثر في قدرة كل طرف على المناورة.
## من تثبيت الخطوط إلى ضرب الإمداد
بحسب ما نقلته الشرق الأوسط عن مصادر عسكرية ومحلية، قالت القوات الحكومية إنها نفذت عمليات جوية ومدفعية في ثماني جبهات، من بينها تعز ولحج ومأرب والجوف والبيضاء. وتحدثت الرواية نفسها عن استهداف مواقع وتجمعات وآليات ومنصات إطلاق ومخازن أسلحة وتعزيزات [3].
اللافت في هذه المعطيات هو التركيز على العمق اللوجستي بدل الاكتفاء بالاشتباك على خط الجبهة. فاستهداف التعزيزات قبل وصولها، أو الضغط على الطرق التي تربط مناطق التجميع بالمحاور الأمامية، قد يحد من قدرة القوات المهاجمة على تحويل المكاسب الموضعية إلى تقدم مستدام.
لكن هذه الصورة تستند في جزء كبير منها إلى بيانات عسكرية وتصريحات مصادر ميدانية. لذلك لا يمكن التعامل مع أرقام الضربات أو الخسائر باعتبارها حصيلة مستقلة ونهائية. وقد أشارت الجزيرة صراحة إلى أنها لم تتمكن من التحقق من عدد من الادعاءات المتعلقة بساحة القتال [2].
## لحج وباب المندب: جبهة مرتبطة لا هامشية
لا تبدو جبهة لحج منفصلة عن معركة تعز. فالمحاور الممتدة من كهبوب والوزاعية إلى المضاربة ورأس العارة والأغبرة ترتبط بالطرق المؤدية إلى الساحل الغربي وبالممرات المشرفة على باب المندب. ولهذا فإن أي تغير في هذه المناطق يمكن أن يؤثر في حركة القوات والإمدادات، حتى إذا لم يتحول فورًا إلى تغيير كبير في خريطة السيطرة.
وتفيد التقارير بوجود قصف وتحركات عسكرية متواصلة في هذه المحاور، مع حديث مصادر ميدانية عن استخدام الطائرات المسيّرة والرد على هجمات متبادلة. وفي التحليل العملياتي، يضيف هذا الامتداد ضغطًا على القوات الحكومية والحوثيين معًا؛ فكل طرف يحتاج إلى حماية طرقه الخلفية، وتأمين نقاط التجميع، ومنع خصمه من فتح محور يلتف على الخطوط الأمامية.
## ما الذي يحاول الحوثيون تحقيقه؟
تظهر التقارير أن الحوثيين يحاولون استثمار مكاسبهم الأخيرة على الساحل الغربي للضغط على تعز من أكثر من اتجاه، مع إرسال تعزيزات إلى محاور حيفان والوازعية والبرح، وفق ما نقلته مصادر محلية في تقرير الشرق الأوسط [3]. ويمنح هذا الأسلوب الجماعة فرصة لتوزيع الضغط على خطوط متعددة، لكنه يفرض عليها في المقابل تأمين مسافات أطول وحماية قوافل الإمداد من الضربات.
كما أشار تقرير بي بي سي من محيط تعز إلى أن الحوثيين يستخدمون الطائرات المسيّرة إلى جانب الأسلحة الأخرى، وأن الطرفين يستعدان لاحتمال هجوم أوسع [1]. ولا تكفي هذه المؤشرات وحدها للقول إن هجومًا شاملًا وشيكًا سيقع، لكنها تؤكد أن مرحلة الهدوء النسبي السابقة لم تعد قائمة بالدرجة نفسها.
## وما الذي تحاول القوات الحكومية تحقيقه؟
تتحرك القوات الحكومية، وفق التقارير المتاحة، على مسارين متوازيين. الأول هو منع الحوثيين من توسيع مكاسبهم حول تعز والساحل. والثاني هو ضرب مراكز التجميع والتعزيزات والمنشآت العسكرية قبل تحولها إلى قوة هجومية على خطوط التماس.
وتحدثت الجزيرة عن عمليات جوية وبرية في مواقع متعددة من تعز، وعن إعلان القوات الحكومية استعادة مواقع ومرتفعات في بعض المحاور. غير أن التقرير نفسه نبّه إلى أن ادعاءات الميدان لم تكن قابلة للتحقق المستقل بالكامل [2]. لذلك فإن الأهم في قراءة هذه التحركات ليس إعلان انتصار نهائي، بل ملاحظة محاولة تغيير ميزان المبادرة من الدفاع عن المواقع إلى الضغط على مصادر القوة والإمداد.
## الكلفة الإنسانية
تتجاوز آثار التصعيد حدود الخريطة العسكرية. فقد وثقت بي بي سي وصول جرحى مدنيين ومقاتلين إلى مستشفى في تعز، ونقلت شهادات من أسر نزحت من مناطق القتال. كما أشارت إلى أن أكثر من 130 ألف شخص نزحوا في اليمن خلال شهر سبتمبر حتى 22 منه، مع تحذير من احتمال نزوح عشرات الآلاف الإضافيين خلال الأشهر التالية [1]. وقدّرت الجزيرة عدد النازحين منذ اندلاع جولة القتال الأخيرة بأكثر من 146 ألفًا، وهي أرقام تختلف باختلاف الفترة الزمنية ومنهجية الحصر [2].
ويعني ذلك أن استمرار القصف على الطرق والقرى لا يهدد المواقع العسكرية فقط، بل يضغط على المستشفيات ومخيمات النزوح والخدمات الأساسية. كما أن اضطراب الطرق بين تعز والساحل يرفع مخاطر انقطاع الغذاء والدواء ويصعّب حركة المساعدات.
## ثلاثة مسارات محتملة
المسار الأول هو استمرار حرب الاستنزاف. في هذا السيناريو يحافظ كل طرف على بعض المكاسب، ويستمر القصف والاشتباك المحدود وضرب التعزيزات من دون اختراق حاسم.
المسار الثاني هو توسع الهجمات حول تعز ولحج. وقد يحدث ذلك إذا اعتقد أحد الطرفين أن خطوط خصمه الخلفية أصبحت مكشوفة أو أن السيطرة على مرتفع جديد ستغير قدرة الخصم على الإمداد. هذا المسار يحمل أكبر خطر على المدنيين وعلى الطرق القريبة من باب المندب.
المسار الثالث هو تجميد مؤقت للجبهات تحت ضغط إنساني وسياسي. غير أن فرصه ستتوقف على وجود قنوات تفاوض، وضمانات لحركة المساعدات، وترتيبات تمنع استخدام الهدوء لإعادة بناء الهجوم.
## الخلاصة
الوضع الميداني الحالي لا يسمح بإعلان حسم سريع. تعز هي مركز الثقل بسبب موقعها وكثافة المحاور حولها، بينما تمنح جبهات لحج والساحل الغربي المعركة بعدًا أوسع يتصل بالطرق وباب المندب. ويبدو أن التنافس ينتقل تدريجيًا من السيطرة على الخنادق إلى تعطيل الإمداد والاحتفاظ بالمرتفعات.
لكن الصورة ما تزال متحركة، ومعظم أرقام الخسائر والضربات مصدرها بيانات أطراف القتال أو مصادر محلية. لذلك فإن التقييم الأكثر تحفظًا هو أن المعركة دخلت مرحلة تصعيد واستنزاف متبادل، لا مرحلة حسم نهائي. وأي تغيير كبير في الخريطة سيتوقف على قدرة كل طرف على حماية طرقه الخلفية، تأمين الإمدادات، وتحمل الكلفة الإنسانية والسياسية لاستمرار القتال.
### المراجع
[1] https://www.bbc.com/news/articles/cw98005ndz7no "Inside Yemen's front-line city as Houthis battle for control"
[2] https://www.aljazeera.com/news/2026/9/27/yemen-government-forces-widen-attacks-against-houthis-what-we-know "Yemen government forces widen attacks against Houthis: What we know"
[3] https://english.aawsat.com/arab-world/5323720-2300-houthis-killed-and-wounded-across-eight-fronts-three-days "2,300 Houthis Killed and Wounded Across Eight Fronts in Three Days"
الصورة: الشرق الأوسط/رويترز، كما وردت مع تقرير الجبهات.

